سيد محمد طنطاوي

145

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

النبوة من بينكم إلى العرب ، وما دام الأمر كذلك فلا تتبعوا إلا نبيّا منكم يقرر شرائع التوراة ، أما من جاء بتغيير شيء من أحكامها أو كان من غير بني إسرائيل كمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فلا تصدقوه . فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله « أحد » المذكور في الآية ، والمستثنى هو قوله * ( إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) * . والتقدير : ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند ربكم * ( إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) * أي إلا من كان على ملتكم اليهودية ، أما أن يكون من غيركم كهذا النبي العربي فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة ، لأنهما - في زعمهم - حكر على بني إسرائيل . فهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين قد أوتوا كتابا ودينا وفضائل مثل ما أوتوا هم أي اليهود ، ويرون أنفسهم - لغرورهم وانطماس بصيرتهم - أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر . وعلى كل من الوجهين يكون قوله - تعالى - * ( أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) * مفعول به لتؤمنوا . والتقدير : ولا تصدقوا أو ولا تقروا لأحد بأن أحدا يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحدا يحاججكم عند ربكم . وعلى كل من الوجهين - أيضا - يكون قوله - تعالى - : * ( ولا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) * وقوله * ( أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ) * حكاية من اللَّه - تعالى - لما تواصى به بعض اليهود فيما بينهم من أقوال خبيثة ، وأفكار ماكرة . ويكون قوله - تعالى - * ( قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّه ) * كلاما معترضا بين أقوالهم ساقه اللَّه - تعالى - للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويزدادوا هم رجسا إلى رجسهم ، وينكشف ما أضمروه وما بيتوه للمؤمنين من سوء وحقد . أي قل لهم يا محمد إن هداية اللَّه - تعالى - ملك له وحده ، وهو الذي يهبها لمن يشاء من عباده ، فهي ليست حكرا على أحد ، ولا أمرا مقصورا على قوم دون قوم ، وإذا كانت النبوة قد ظلت فترة من الزمان في بني إسرائيل ، فاللَّه - تعالى - قادر على أن يسلبها منهم لأنهم لم يشكروه عليها وأن يجعلها في محمد العربي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأنه أهل لها وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته . هذا ، ويرى بعض المفسرين أن أقوال اليهود التي حكاها القرآن عنهم قد انتهت بنهاية قوله - تعالى - * ( ولا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ) * وأما قوله - تعالى - * ( قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّه